The Brutalist: العمارة تتحوّل إلى جرح
Thursday, 13-Aug-2026 08:35

ليس من السهل أن يصنع فيلم عن العمارة فيلماً عن الإنسان.

لكنّ The Brutalist، للمخرج برادي كوربيت، يفعل ذلك تحديداً: يأخذ الخرسانة والحجر والخطوط الهندسية، ويُحوّلها إلى لغة تتحدّث عن المنفى والذاكرة والطموح والهوية. إنّها حكاية مهاجر أوروبي يصل إلى أميركا بعد الحرب العالمية الثانية، حاملاً معه موهبة كبيرة وندوباً أكبر.

يؤدّي أدريان برودي دور لازلو توث، مهندس معماري يهودي مجري نجا من المحرقة، ويصل إلى الولايات المتحدة محاولاً إعادة بناء حياته من الصفر. لكنّ أميركا التي تبدو في البداية أرض الفرص، لا تستقبله كفنان حرّ، بل كموهبة تحتاج إلى راعٍ، وكغريب عليه أن يُثبت قيمته باستمرار.

 

سرعان ما يدخل توث في علاقة مع رجل الأعمال الثري هاريسون لي فان بورن، الذي يُجسّده غاي بيرس. هذا الرجل يرى في المعماري المهاجر مشروعاً يمكن الاستثمار فيه، ويمنحه فرصة تصميم مبنى ضخم سيصبح لاحقاً أهم أعماله. لكنّ العلاقة بينهما تتحوَّل تدريجياً إلى صراع على السلطة، فيصبح المال وسيلة للسيطرة، فيما تصبح العمارة وسيلة للمقاومة.

 

مَن يملك المبنى، هل يملك فكرته أيضاً؟

لا يتعامل كوربيت مع العمارة بوصفها ديكوراً، بل باعتبارها امتداداً مباشراً للشخصية. الخرسانة القاسية والممرات الواسعة والمساحات الفارغة تبدو كأنّها تعكس حياة توث نفسه؛ رجل يحاول بناء شيء خالد، فيما يشعر في داخله بأنّ الماضي يطارده باستمرار.

 

الفيلم أيضًا قراءة قاسية للحلم الأميركي. توث يصل إلى الولايات المتحدة وهو يؤمن بأنّ العمل والموهبة قادران على منحه فرصة جديدة، لكنّه يكتشف أنّ النجاح لا تحكمه الموهبة وحدها. هناك المال، والنفوذ، والعلاقات، والطبقة الاجتماعية، وحتى قدرة الإنسان على تحمُّل الإهانة.

 

أدريان برودي يقدّم أداءً ثقيلاً ومشحوناً. شخصيّته لا تحتاج إلى خطب طويلة لتُعبِّر عن الألم؛ يكفي أن نرى وجهه وهو يحاول إخفاء غضبه أو انكساره. وفي المقابل، يقدّم غاي بيرس شخصية ثرية لا تحتاج إلى رفع صوتها لتفرض سلطتها.

 

أمّا فيليسيتي جونز، في دور زوجة توث، فتضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى القصة. فهي ليست مجرّد زوجة تنتظر نجاح زوجها، بل شخصية تحمل هي الأخرى آثار الحرب والمنفى، وتدرك أنّ إعادة بناء الحياة لا تعني بالضرورة القدرة على التخلّص من الماضي.

 

قد يبدو الفيلم طويلاً ومتعمَّد البطء، وهذه إحدى نقاط ضعفه بالنسبة إلى بعض المشاهدين. لكنّه في الوقت عينه يحتاج إلى هذا الإيقاع، ليجعلنا نشعر بثقل السنوات التي يعيشها توث. فالعمل لا يريد أن يقدّم صعوداً سريعاً لبطل مهاجر، بل يريد أن يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: ماذا يدفع الإنسان مقابل تحقيق حلمه؟

 

في النهاية، يصبح المبنى الذي يُصمِّمه توث أكثر من مجرّد تحفة معمارية. إنّه نصب تذكاري لشخص يحاول إثبات أنّه ما زال موجوداً، وأنّ الحرب لم تستطع أن تمحو اسمه أو موهبته أو ذاكرته.

 

في زمن تُختزل فيه الهجرة غالباً إلى أرقام وحدود وأزمات سياسية، يمنح الفيلم المنفى وجهاً وصوتاً ومبنى من الخرسانة. وربما هذه هي قوّته الأكبر: أن يجعل العمارة تبدو كأنّها ذاكرة متجمّدة، وأن يجعل كل جدار سؤالاً عن الماضي، وكل مشروع محاولة يائسة لبناء مستقبل لا يمكن ضمانه.

الأكثر قراءة